حاتم السيد مصيلحى

بقلم :حاتم السيد مصيلحي
ظلت الإنسانية على مر التاريخ تعاني خللا اجتماعيا وفئويا كبيرا، ولا أدري من أين نشأ ذلك التقسيم المجحف الظالم ؟! ولعل الأنظمة السياسية هي صاحبة ذلك التصنيف، فظهر مجتمع الصفوة أو السادة وهم رجال الحكم، والوزراء، والقضاة، والأعيان..وهم أصحاب النفوذ السياسي، أو الاقتصادي، أو الطبقي ومن يتحكمون في مسارات الأمور، وأقوات الشعوب ،ومجتمع الوسط المحكوم، وهو بمثابة الجسم الذي يطفو على سطح الماء، لا يقدم ولا يؤخر، يذهب حيثما تقوده الأمواج، أوتحمله الرياح، فتارة ترفعه وأخرى تخفضه، ومرة تدنيه وأخرى تبعده، فهو بين ذاهب وآيب،ثم طبقة الرقيق ( العبيد) وتلك الطبقة لا تملك لنفسها نفعا ولاضرا، ولا حولا ولا قوة إلا بأمر السادة.
وقد أرادت فئة الكهنة أن يفسحوا لأنفسهم مكانا ومكانة بين طبقة السادة، وأن تكون لهم قداسة وقدسية عند العامة، فادعوا اتصالهم بالغيب، ومعرفتهم بالقوي الخفية أو عالم الأرباب التي بأيديها موازين الأمور وتقلباتها، ونصبوا السيد أو الملك إلها أو ابنا للإله، بترسيم منهم ،ومن ثم ظهر الطغاة الذين بغوا وتجبروا في الأرض أمثال فرعون وهامان ،وقد حكي القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى :{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص : 4]
فمن كان يرجو النجاة يدين للملك بالألوهية ،أو يدخل في دينه أو مذهبه، و ظهر ذلك إبان عصور الاضطهاد الديني والمذهبي وراح ضحيته الكثيرون.
ثم أشرقت سماء الدنيا بنور ربها بإنهاء ذلك التداعي الطبقي، والفوضى الاجتماعية برسالة سيد الخلق كلهم أجمعين سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – كي يتساوى الناس جميعا أمام خالقهم، لا فضل لعربي على أ عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، فجعل عمر بن الخطاب القرشي، وبلال بن رباح الحبشي على السواء، فلما انفلتت من عمر ذات يوم عبارة عفوية توحي بالعنصرية والتمييز ضد بلال بقوله ياابن السوداء ) قال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -( إنك امرؤ فيك جاهلية ) فما ترك عمر بلالا إلا وقد عفا عنه، وكان يقول عنه وعن أبي بكر – رضي الله عنهما – ( سيدنا اعتق سيدنا ).
وقد أبطل الإسلام الرق وجعل عتق الرقاب من القربات، ومن الكفارات، لتكون العبودية لله وحده . وقد آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم – بين المهاجرين و الأنصار، فتلاحم المجتمع المسلم كاللحمة والسداة.
وقد تبني الإسلام ذلك المبدأ الإنساني فحقق العدالة الاجتماعية وأرساها، وفرض على أغنياء المسلمين زكاة تطهرهم وتزكيهم ، وتمنع فقراءهم العوز والحاجة، وأتاحت لجميع أبناء المسلمين ومواطنيهم من غير المسلمين الحقوق، وفرضت عليهم الواجبات وقد ظهر ذلك جليا حينما وجد سيدنا عمر رجلا يهوديا لا يجد مايقيم أوده، ففرض له مبلغا من بيت مال المسلمين ، قائلا :أنأكل شبابهم ونتركهم في شيبتهم -أو كما قال – رضي الله عنه.
وسعت الدول المتقدمة لتطبيق هذا المبدأ فحققت عدالة اجتماعية لم تحققها نظرياتهم ، فنجحوا وتقدمت مجتمعاتهم ، أما المسلمون فقد ملكوا المنهج والوسيلة وعجزوا عن تفعيله وتطبيقه، فتخلفت مجتمعاتهم ،ومازال البعض يطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية دون أن يرسم خطوات تنفيذها على أرض الواقع، فإلى متى نظل نحلم ونتمنى دون أن يتحقق الحلم، أو نبلغ مانتمنى؟!

Share with:

FacebookTwitterGoogleLinkedIn

LEAVE A REPLY